موقع قطاع الصحة في خضم الحراك الشعبي
الدكتورة سميرة بيطام

يوم 22 فيفري كان يوم الحراك الشعبي بوجهة حضارية نحو المناداة بالتغيير ، بعده توالت المظاهرات في جمعات متتالية ، كان الالتفاف حول وحدة مطالب تخللتها صورة سلمية و حضارية جدا و الراية الجزائرية تعلو الحناجر و تعلو المطالب ،لأن الجزائر هي الدافع لمثل هذه الحضارة السلمية. 
فبالأمس و في خرجات الأطباء المقيمين كان فيه نوع من التشاحنات و التي سيرتها مواد تنيظيمية في منع المسيرات خارج المستشفيات حفاظا على الأمن العام للبلد و للولايات الأخرى ، و المطالب لم تكن للتغيير الشامل بقدر ما كانت لتحسين أوضاع أطباء نادوا بحقوق يرونها ضرورية للارتقاء بقطاع الصحة الجزائرية ، و اليوم الجموع كانت تقريبا لمختلف أطياف الشعب الجزائري و هذه المرة من أجل مطلب التغيير السلمي نحو جمهورية جديدة ، و إن كنت أرى في التجديد كل يوم في الجزائر فقط كان يأخذ أشكالا و ألوانا شتى من أشكال الاستماتة في المطالبة بمستقبل أفضل للشباب الذي يريد أني كون له مكانة و دور في بلده ، شباب يضع الراية الجزائرية على ظهره و يهتف بسلمية الحراك و هذا كله من أجل الحفاظ على استقرار الجزائر بعد أن اخذ العبر و الدروس من خرجات سابقة في 5 أكتوبر 1988 و في العشرية السوداء التي خلفت العديد من المآسي ، فكان راقيا جدا التحول من الصورة النمطية لأشكال العنف و التخويف الى صورة السلمية و الحضارية و هو ما يوضح مدى وعي هذا الشباب ، لأن هذا الحراك يعد اختبار لهم في طريقة المناداة بالحقوق و العدالة الاجتماعية ، و لعل قطاع الصحة أهم و أبرز القطاعات في الجزائر التي تلجأ إليها فئات الشعب الأخرى للتداوي من مهندسين و أفراد جيش و شرطة و مواطنين و موظفين في مختلف القطاعات للدولة الجزائرية ، و يأبى البعض إلا أن يستمر في رسالة العطاء لتقديم خدمة ترقى لمستوى تطلعات هذه الفئات لأنها في الأخير هي في خدمة الجزائر حينما يتعلق الأمر بالحفاظ على أمنها و استقرارها. 

و لقد كانت لنقابات الصحة المشاركة في ميدان المظاهرات للمطالبة بتحسين ظروف العمل نحو الأفضل و كان التكرار بالمناداة وفق مؤشر الآداء العلاجي في مستشفياتنا و الضرورة الحتمية التي وحدت صف المطالب في ضرورة الارتقاء بمطالب كل من يعمل في القطاع ، إلا أن التمثيل الإداري للأسلاك المشتركة كان نوعا ما ضعيفا مقارنة بغيره، و لو أنها فئة تستحق الانتباه كغيرها من باقي الفئات الأخرى لأنها تمثل ركيزة التسيير الإداري في المؤسسات الصحية. 

في خضم هذه الأحداث تمت المصادقة على قانون جديد للصحة ليصدر في الجريدة الرسمية رقم 46 بتاريخ 29 يوليو 2018 ليشعر معه مستخدمو القطاع بضرورة تفعيله في الميدان ليلبي تطلعاته و آفاق التغيير في قطاع تعثر في طريق التغيير و الانجاز لسنوات عدة دون إغفال جانب ظهور بعض الأمراض التي تنبئ بضرورة الانتباه نحو برامج و آليات الوقاية في الجزائر كصمام أمان للأطفال الرضع و غيرهم من أمراض البوحمرون و الحمى القلاعية ، لنعرج نحو النقابة العمالية المنضوية تحت إشراف الاتحاد العام للعمال الجزائريين و التي شعرت فئة الأسلاك المشتركة أنها لا تقتص حقها كاملا عبر هذه النقابة التي لم يفهم بعد دورها الحقيقي في زخم حماية الحقوق العمالية ، لتتعالى الأصوات من هناك حيث نقص الأدوية و المواد الجراحية في قاعات الجراحة لتعاد برمجة العمليات بحسب ما هو متوفر في المستشفيات ، كل هذا جعل من مستخدمي الصحة يشتكون تهميشا لقطاعهم و مناداة بضرورة المساواة في الحقوق و الاشتراك في صنع القرار في مناسبات كالمؤتمرات و الندوات العلمية التي يلتف حولها أخصائيون لدراسات علمية و لكن يغيب الشرح القانوني الذي من المفروض يتخلل مثل هكذا مظاهرات علمية ليتم فيها فهم قانون الصحة الجديد مثلا و محاولة إيصال بنوده لكل الفئات لتكون لغة الإشراك الجماعي هي لغة كل موظفي القطاع دون إقصاء أو استثناء. 

فحتى لو كانت مشاركة مستخدمي الصحة في هذا الحراك نسبية إلا أن التطلعات و المناداة بضرورة تحسين الأوضاع لآداء جيد للخدمات هي أمل كل ممتهن في قطاع الصحة الجزائرية ، فليس شرطا أن ينزل الأطباء أو الشبه طبيين للمشاركة في الحراك لأنهم ربما يرون الواجب يحتم عليهم البقاء مع المريض خاصة في حالات الاستعجال ، ما يعني أن قطاع الصحة موجود وسط كل القطاعات و يتطلع لجزائر قوية و متحضرة أكثر عن ذي قبل ، لا أقول جديدة لأن الجزائر بفكر أبنائها و تطلعاتهم هي دائما تعيش الجديد و ما كان دائما صار مطلبا مشروعا ما دام الغرض هو الجزائر و إعلاء شأنها أمام الدول و قد مثلوا سلمية حراكها أحسن تمثيل و هو ما يوضح درجة الوعي لدى شبابها و ربما حان الوقت لنغير فكرة القابلية للاستعمار للقابلية لصنع القرار بكل حضارية رأي و جمال صورة لجزائر الغد، جزائر الشهداء الذين تعيش وصيتهم بداخل قلوبنا بأن نحفظ البلد التي ضحوا من أجلها وسلموا مشعلها للجيل الصاعد ،فإذا رجعنا إلى تضحيات السلك الصحي خلال الحرب التحريرية ، فالأرقام تتكلم وحدها ، فهناك أكثر من 30 شهيد ما بين ممارس صحة و طالب ، و أكثر من 60 تم توقيفهم و تعذيبهم و حبسهم ، و أكثر من 120 التحقوا بجيش التحرير الوطني داخل الجزائر و على طول الحدود ،و رقم أكبر من هذه يمثل الذين اشتغلوا في شبكات جبهة التحرير الوطني لدعم الثورة في الداخل و الخارج ، و العدد الإجمالي لهؤلاء كان لا يتعدى 400 شخص ، فهذه الأرقام تدل على مدى انخراط السلطة الصحي في الثورة المظفرة ضد الاستعمار الغاشم ليصير بعضهم اليوم رجالا سياسيين منهم الدكتور الفاضل أحمد طالب الإبراهيمي بن العلامة الشيخ الإبراهيمي.
 
و هكذا فقط شارك بصفة فعالة سلك ممارسي الصحة في كل مستويات الثورة و هناك شهادات عديدة تثبت هذا الالتزام الراسخ ، و من بينها شهادة الراحل الشاذلي بن جديد الذي قال عن الأطباء الذين التحقوا بالثورة أنهم قاموا بعمل جبار و عملوا إلى حد التضحية ، كما قال بالحرف الواحد :  
أشهد أنني لم أسمع أبدا شكوى عنهم.. 
هذه هي صورة ممثل قطاع الصحة طبيبا كان أو غيره بل هذه هي صورة الجزائري الحقيقية ، فقط فليحذر هذا الجيل من محاولة تكسير الأمل للجزائر لأنها مستهدفة و مراقبة من بعيد ، فعلينا أن نحفظ الأمانة (الجزائر ) بتعقل و حسن الحيطة و التصرف.