الأخطاء الطبية في الجزائر تحليل و تعقيب  
الجزء الثالث  
بقلم الدكتورة سميرة بيطام

تقضي القواعد العامة بأنه لا يكفي لكي تتحقق مسؤولية الطبيب بشقيها المدني و الجنائي أن يقع ضرر بالمريض و خطأ من الطبيب ، بل يجب أيضا أن يكون الضرر الذي أصاب المريض نتيجة لذلك الخطأ الذي وقع فيه الطبيب ، و لا يكفي في ذلك مجرد اقتران الخطأ بالضرر بل يجب أن يكون الضرر لاحقا للخطأ و ناشئا عنه بحيث لا يمكن تصور وقوع الضرر و لو لم يحصل الخطأ. 
و قد وقفت بعض المحاكم حائرة أمام العوامل المتشعبة التي تؤثر في نتيجة العلاج فمالت إلى التشديد في تقدير علاقة السببية مقررة استبعادها لطالما لم يثبت لها طريق قاطع أن خطأ الطبيب قد تفاعل في إحداث الضرر بحيث لولاه لما وقع. 

   و الأصل هو أن المرء لا يسأل عن خطئه الشخصي (ألا تزر وازرة وزر أخرى)* و الخطأ هو إخلال بواجب قانوني مقترن بادراك المخل إياه ، فلا يسأل المرء عن نتيجة خطأ يراه إلا إذا كان واجبا عليه أن يراقب ذلك الغير و أن يمنعه من ارتكاب أخطاء تضر بالآخرين(1).. 

و لقد ورد في المادة 48 من مدونة أخلاقيات مهنة الطب الجزائري من أن "الطبيب و جراح الأسنان مطالبين بتقديم العلاجات في جو تعاوني من الواجب أن يكون مدعما لكسب احترام قواعد الوقاية ، مع التنبيه للمريض و لمحيطه الأسري من أن ذلك يدخل ضمن   مسؤولياتهم و مسؤولية زملائهم" ، و المواد 124 ،136 ،138 من القانون المدني الجزائري تحدد الطبيعة أو الأساس القانوني لمسؤولية الطبيب. 

و المسؤولية التعاقدية تأخذ منبعها من العقد فهي إذا " العقد و هو اتفاقية من خلالها يستطيع شخص أو عدة أشخاص مجبرين تجاه شخص أو عدة أشخاص آخرين للقيام بفعل أو الامتناع عن فعل شيء " نص المادة 54 من القانون المدني الجزائري" ، فهو اتفاق إرادي يهدف إلى تحقيق غاية ،إذا نحن مجبرون لأننا أردنا ذلك و لأننا مجبرين على تنفيذ آداء. 
هذا و لقد تضمن القانون المدني الجزائري على 03 حالات للمسؤولية التعاقدية و هي: 
  1. المسؤولية الناتجة عن فعل شخصي بإحداث ضرر ( المادة 124 إلى 133 قانون مدني جزائري). 
  2. المسؤولية الناتجة عن فعل شخصي بإحداث ضرر ( المادة 134 إلى 137 قانون مدني جزائري). 
  3. المسؤولية الناتجة عن فعل الأشياء (المادة 138 إلى 140 قانون مدني جزائري). 
 أما المذهب الكلاسيكي فهو يشترط على الضحية لقيام المسؤولية إثبات ثلاث شروط هي : 
  1. الخسارة الملحقة بالضحية 
  2. إثبات الخطأ 
  3. علاقة السببية بين الخطأ و الضرر 
أما المذهب الحديث فهو يعتمد لقيام المسؤولية على فكرة الضرر أو أكثر ، و على الضحية إثبات الخطأ و هو شيء يصعب إثباته ، خاصة في القطاع الصحي أو في الميدان الطبي. 
    أما المسؤولية التقصيرية كجزاء على الإخلال بالتزام قانوني سابق و من ثم يكون مصدرها العمل غير المشروع ، يستند الالتزام بالتعويض مباشرة إلى نص قانوني يفرضه ، و من هنا يمكن أن يطلق على الالتزام بالتعويض في هذه الحالات -تجاوزا- أنه مسؤولية مدنية مصدرها القانون أو أنها مسؤولية قانونية(2)
    أما نطاق المسؤولية فهي إن باشر الطبيب علاج مريض في ظروف عادية ، فالغالب أن يكون ذلك بناء على اتفاق بينهما ، و قد رفضت محكمة النقض الفرنسية منذ أكثر من قرن اعتبار المريض ملزما بأتعاب الطبيب التزاما تعاقديا (2)

و المعروف أن المستشفيات العمومية هي مصالح عامة يجري العمل فيها طبقا للقانون و اللوائح التي تنطبق ليس على القائمين بأمرها فقط بل على المرضى الذين يعالجون فيها ،هؤلاء جميعا في مركز قانوني تحدده قوانين المصلحة. 
فمسؤولية الدولة على خطأ الأطباء الداخلين في السلك الدائم هي مسؤولية مباشرة ، طالما أن خطأهم قد حصل في الدائرة التي يقومون فيها بالعمل باسم الدولة ، إذ في حدود هذه الدائرة يعتبر نشاط الطبيب نشاطا للدولة ، فتختفي شخصية الطبيب و تبرز شخصيتها. 

لذلك قررت الدولة أن مسؤولية الإدارة تنشأ عن أي خطأ من المشرفين على إدارة المستشفى و عن الخطأ الجسيم من القائمين بالعمل الطبي، و ان مسؤولية المستشفيات منوطة بحصول خطأ في تنظيم المصلحة أو خطأ جسيم في العلاج الجراحي الذي أجري على المريض. 
و لذلك التفرقة بين الخطأ الشخصي و الخطأ المصلحي صعب التحديد نوعا ما حسب أحكام القضاء ، و هناك من يرى أن المعيار في التفرقة بينهما ينحصر في عنصرين و هما : نية الطبيب و جسامة الخطأ. 
  • فإذا كان الطبيب يؤدي عمله نزولا عند مصلحة خاصة به أو ليشبع رغباته ، حيث ان خطأه كان جسيما و إهماله كان فاحشا ،فالخطأ في هذه الحالة يعتبر خطا شخصيا. 
  • أما إذا كان الطبيب يؤدي مهامه وفق ما أوكل اليه ، فما يصدر عنه من خطأ فهو مصلحي ،كأن يقوم بإجراء عملية الشبكية للمريض الأعمى بسبب ظهور العصب البصري، فرغم علم الطبيب بحال المريض إلا انه يقوم بإجراء العملية بقصد الربح مستغلا أمل المريض في الابصار رغم استحالة ذلك. 
  • و إذا اقترف طبيب بالمستشفى العمومي أو الممرض خطأ فيما يتولاه من علاج ما تسبب عنه سوء حالة المريض ، فانه ، إذا كان منه جهلا ، فهو خطأ مصلحي ، أما اذا فيما يجريه بقصد التجربة مثلا فهو خطأ شخصي ، و كذلك الجراح الذي يجرب جراحة بغير رضاء المريض ، فالرابح أن رضاء المريض لا يضفي وصف المشروعية على فعل الطبيب ، لأن الرضاء ليس سببا من أسباب الإباحة في الجرائم التي تمس جسم الإنسان حيث أن سلامته تعد من النظام العام و حمايته أمر تقتضيه مصلحة المجتمع. 
   وعندما تستخدم المستشفيات العامة أساليب علاج جديدة دون أن تثبت بصفة نهائية النتائج المترتبة عليها أو بعبارة أخرى دون أن يعرف بعد الآثار المترتبة عليها على وجه الثقة ، و إذا ما سبب العلاج الجديد أضرارا للمريض ( كمضاعفات استثنائية و غير عادية بطريقة خطرة أو جسيمة و كانت كنتيجة مباشرة للعلاج ) ، فان القاضي الإداري يعتبر أن المريض قد أصابه خطر ، خاصة إذا كان الالتجاء إلى هذه الأساليب العلاجية الجديدة لم يكن لازما لأسباب ضرورية لحياة المريض(4)

الجزء الأول من المقال من هنا
الجزء الثاني من المقال من هنا
الجزء الرابع من المقال من هنا
ـــــــــــــــــ
*سورة النجم ، الآية 37. 
(1)سميرة بيطام ، الخطأ الطبي و المسؤولية الطبية ،مذكرة تخرج لنيل شهادة ما بعد التدرج المتخصص في تسيير الموارد البشرية ، المدرسة الوطنية للصحة العمومية ،برج البحري ، الجزائر ، السنة الجامعية ، 2006،2005 ، ص 28. 
(2) سليمان مرقس ،الوافي في شرح القانون المدني في الالتزامات في الفعل الضار و المسؤولية المدنية ، المجلد الثالث ، الطبعة الخامسة ، بيروت ، مكتبة صادر، ب،ت ،ص 5. 
(3)سميرة بيطام ،المرجع السابق الذكر ،ص 34. 
(4) سليمان مرقس ، المرجع السابق الذكر، ص 59.