الأخطاء الطبية في الجزائر تحليل و تعقيب 
الجزء الثاني
بقلم الدكتورة سميرة بيطام

    نواصل تحليل موضوع الأخطاء الطبية و نليه بتعقيب في كل مرة يلزم فيها الحال لتوضيح ما صعب من الفهم ، و هذه بعض الأمثلة عن الأخطاء الطبية ، اذ تروي شابة من مدينة وجدة كيف أقدم جراح على استئصال كليتها السليمة بدل المريضة ليتركها في مواجهة مع الموت في أي لحظة (1)

من مثال استئصال كلية سليمة بدل المريضة تبدو مسؤولية الجراح ذات طبيعة عقدية إذا اختار المريض بنفسه الطبيب المخدر ، أو إذا قبله ضمنيا أو عبر عن قبوله اختيار الجراح ، أو قبل أن يشترط هذا الغير لمصلحته. 
و المثال التقليدي لأخطاء الجراحين هو نسيان قطعة قماش في جسم المريض و على أن الفقه دأب على اعتبار ذلك خطأ طبيا ، إلا أنه و بالنظر إلى خطورة الجراحة و دقتها ، حيث تتطلب الحذر الشديد و اليقظة ، و حيث كل دقيقة تمر تحسب من وقت العملية ، اعتبر القضاء هذا النسيان مجرد حادث جراحي ، و على النقيض من ذلك نسيان أداة أو مقص يعتبر خطأ جسيما حيث يقف القضاء موقفا حازما. 
طيب ، إن ما وقف القضاء موقفا حازما فلماذا لم يفصل بعد في العديد من قضايا الأخطاء الطبية التي شغلت حيز الكثير من الرفوف ؟، ثم أين هو النص القانوني من قانون العقوبات الجزائري الذي يتضمن صراحة نصا يفصل سريعا و بحزم في قضايا الأخطاء الطبية الجسيمة ؟. 
و أين هي المادة القانونية من قانون النظام الداخلي للمستشفيات الجزائرية التي تتضمن نصا صريحا لحل قضايا الأخطاء الطبية مع محامي المؤسسة في أن يكون ممثلا مباشرا للطرف المتضرر مطالبا بالتعويض؟. 
هذا من جهة ، و من جهة أخرى يعتبر طبيب التخدير مسؤولا شخصيا عن أخطائه في إطار الفريق الطبي متى ثبت ثبوتا أكيدا وواضحا أن خطأه فقط هو الذي أدى إلى الضرر ، و يستقر القضاء على أن الجراح لم يعد مسؤولا عن أخطاء طبيب التخدير طالما المريض لم يعترض على تواجده لافتراض قيام عقد ضمني بين الطرفين، و إن كان إثبات الضرر يعد أمرا لا يثير كثيرا من الصعوبات إلا أن الأمر يختلف فيما يتعلق بإثبات الخطأ و رابطة السبب. 

  حسبما تقدم يعتبر الطبيب مخطئا إذا أخل بأصل من الأصول العلمية سواء كانت مدونة أو عرفية فهي تشكل الحد الأدنى للحيطة ، و الأصول العلمية إما أن تكون ثابتة بقوانين عامة أو خاصة (2)
 أما بالنسبة لإثبات خطأ الطبيب فالمبدأ العام هو أن الطبيب يلتزم ببذل عناية ، و يترتب على ذلك أنه ينبغي على المريض حتى يثبت تخلف الطبيب عن الوفاء بالتزامه -إقامة الدليل على إهمال الطبيب أو انحرافه عن الأصول المستقرة في المهنة -، أي أن سلوك الطبيب لم يكن مطابقا لسلوك طبيب مماثل من نفس المستوى ، و ذلك مع الأخذ في الاعتبار الظروف الخارجية المحيطة به (3)

 و القاعدة العامة في الإثبات أن (البينة على من ادعى) و مؤدى ذلك أن يثبت المضرور أن ثمة ضررا أصابه نتيجة لخطأ اقترفه المدعى عليه ، و لما كان الخطأ هو الإخلال بالتزام يفرضه القانون أو يتبناه فان الفعل الخطأ هو عبارة هو واقعة قانونية و ليس تصرفا قانونيا ، و من ثم يجوز إثباته بكافة طرق الإثبات ، فإذا ادعى مريض مثلا أن طبيبه الجراح قد ترك أداة من أدوات الجراحة في جسمه عند إجراء جراحة له ، وجب عليه أن يثبت أن الجراح قد استخدم هذه الأداة في الجراحة و أنها وجدت فعلا في موضع الجراحة (4).  
 
و كذلك إذا ادعى المريض أن الطبيب أهمل تعقيم الإبرة التي حقنه بها و لم يستطع المريض المدعى أن يثبت بطريق مباشر واقعة عدم التعقيم ، فان هذه الواقعة يمكن أن تستنبط عن طريق القرائن القضائية طالما أنه ثبت أن موضع الحقنة قد التهب و ظهرت عليه آثار التلوث عقب إجراء الحقن بقليل و لو أن الحقن حاليا أصبحت لاستعمال واحد أي لمرة واحدة . 
 فإذا ما وقع خطا الطبيب على أصل مدون بنصوص قانونية ، فيعتبر الخطأ ثابت فور مخالفة الطبيب لأي نص من هذه النصوص ، بمعنى أنه نزل بسلوكه عن الحد الأدنى للحيطة اللازمة لحماية حقوق المريض و يبدو ذلك في عدم مراعاة الطبيب للقوانين و اللوائح و الأوامر و من أمثلة ذلك : 
  • أن يقوم الصيدلي بإعطاء حقنة بدون ترخيص 
  • أو يقوم طبيب الأسنان بفتح أكثر من عيادة 
  • أو يقوم طبيب التخدير بإجراء عملية جراحية 
  • أو تقوم المولدة بمزاولة عملها دون الحصول على ترخيص أو بناءا على إذن من طبيب لو كان مختصا بأمراض النساء(5)
ــــــــــــــــ
(1) القانون و القضاء في صف الأطباء ، عن موقع الأنترنت  www.alwatan.com 
(2) سمير عبد السميع الأودن ، مسؤولية الطبيب الجراح وطبيب التخدير و مساعديهم ، مدنيا و جنائيا و إداريا ، الإسكندرية ، منشأة المعارف ،2004 ، ص81  
(3) محمد حسين منصور ، المسؤولية الطبية ، القاهرة ، دار الجامعة الجديدة للنشر ، 2001، ص 19. 
(4) سمير عبد السميع الأودن ، المرجع السابق الذكر ،ص 78 
(5) سمير عبد السميع الأودن ، المرجع السابق الذكر ، ص 78.