إعادة هيكلة قطاع الصحة الجزائري هو تجسيد لقانونها
بقلم الدكتورة سميرة بيطام

تنص المادة الأولى من قانون الصحة الجديد رقم 18- 11 مؤرخ في 18 شوال عام 1439 الموافق لـ 02 يوليو 2018، على أنه : 
 يحدد هذا القانون الأحكام و المبادئ الأساسية ، و يهدف إلى تجسيد حقوق و واجبات المواطنين في مجال الصحة . 
و يرمي إلى ضمان الوقاية و حماية صحة الأشخاص و الحفاظ عليها و استعادتها و ترقيتها ضمن احترام الحرية و الكرامة و السلامة ، و الحياة الخاصة . 
أما المادة الثالثة فهي تنص :  
تتمثل الأهداف في مجال الصحة في حماية صحة المواطنين عبر المساواة في الحصول على العلاج و ضمان استمرارية الخدمة العمومية للصحة و الأمن الصحي. 
من هذه المواد نلاحظ أنها تجسيد لمواد الدستور الجزائري، و لا ينسب تعثر نجاح أي قانون و في أي دولة إلا لتعثر حسن توظيفه بالآليات المناسبة و الآراء الجيدة و يجب في ذلك تغيير الذهنيات التي تعتمد كثيرا على الاستهلاك أكثر منه تقديم الخدمات و التفاني على العمل ، لا يحق لنا كشعب أن نبقى نطالب الدولة أن توفر لنا ما نريد و نحن نرفض في الوقت نفسه أن نكون مساهمين أو فاعلين و لو بالقسط القليل في تجسيد و احترام القوانين إلا ما كان منها مخالفا للنظام العام و الآداب العامة أو ما مكان معارضا لهويتنا الجزائرية ، نحن نتحرى القانون لنفهمه و لنستوعبه و من ثم نحترمه و نطبقه كاملا و ليس لنا الاعتراض على أي قانون إن ما كان في إطار الخدمة العامة لصحة المواطنين و بالمقابل يجب التفاعل الجيد و ليس الرديء ، يجب الإقبال على العمل و ليس النفور ، و يجب تنحية كل من ليس مخلصا أو نقيا أو كفؤا..حان الوقت لإعطاء الأولوية للكفاءات و للمجدين و للمحترمين لقوانين الجمهورية ، و ليس قانون الصحة فقط. 

أما المادة الحادية عشر من قانون الصحية فهي تنص على : 
ينشأ مرصد وطني للصحة يكلف على أساس المعطيات العلمية و الوبائية و الديمغرافية و الاقتصادية و الاجتماعية بالمساهمة في إعداد عناصر السياسة الوطنية للصحة و تحديد الأولويات الصحية التي يجب أن تستفيد من برنامج للصحة العمومية و الإدلاء برأيه و تقديم توصيات حول كل المسائل المتعلقة بمجالات الصحة. 

 و هذا المرصد سيمثل منارة في قطاع الصحة إذا ما أشرف عليه مختصون أكفاء يعرفون جيدا خبايا القطاع و يدركون حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم لأنه سيجمعون نشاطات صحية في وجهة علمية واحدة تطور القطاع على مسار دقيق و ثابت من النظام العملي ، خاصة ما تعلق بالإدلاء بالرأي فيما يتعلق بمجالات الصحة الجزائرية المتنوعة دون أن يخفى على أحد تركيز الدولة على القطاع العمومي كمكسب دستوري و حق وطني عن طريق إزالة الفوارق في مجال الحصول على الخدمات الصحية و تنظيم التكامل بين القطاعين العام و الخاص و هو ما أكده نص المادة السادسة عشر من القانون، فحتى أن تبقى الذهنيات تفكر في أن يقع العبء على القطاع العام لهو اختلال في التوازن الخدماتي ثم علينا أن نعي جيدا كيف نحترم الصحة و كيف نحميها و نحترم إطاراتها من أطباء و ممرضين و عمال بسطاء، ليس هناك فوارق في سلم العمل ، الكل محمي باسم القانون و تختزل كل التعسف و كل أشكال البيروقراطية حينما يتعلق الأمر بجزائري أو جزائرية تتقدم للمستشفى من أجل العلاج، لان البيروقراطية نخرت القطاع و جعلته لا يستطيع أن يلبي كل الحاجيات بدعوى نقص العتاد أو الأدوية أو الموارد البشرية، ثم المسيرين الذين لا يحظون بفهم القوانين و لا بالمساهمة في تحسين القطاع عليهم أن يتركوا أماكنهم لمن هم أجدر بذلك.

فمسألة الإصلاح انطلقت و لها أن تحقق حوصلتها النهائية بتلبية حاجيات المواطنين من الخدمات الصحية وفق رزنامة عمل ، و لن يكون أمام القطاع العام و الخاص إلا تطبيق القانون و استيعاب حاجات المواطنين من العلاج ، و الكف عن مطالبة الدولة بتوفير المزيد من السبل بغير بذل جهد ، لأن سياسة التواكل تجعل الفرد لا يقبل على العطاء و لا يستسيغ سياسة المواطنة التي نادت بها دساتير العالم ، لن يكون أمامنا إلا خيار التفاعل بشكل جيد يحقق لنا مكاسبنا كمواطنين و يضمن لنا حقوقنا نحن موظفي القطاع. 

و المادة 31 من القانون وضحت التزام الدولة بتكفلها في حماية برامج الصحة و تضمن تنفيذها حسب كيفيات تحدد عن طريق التنظيم، و هذا التنظيم ترسم خريطة طريقه لوائح و تعليمات إدارية تكفل التطبيق الجيد لمواد القانون. 
كموظفين في القطاع لا نستطيع التكهن بنجاح تطبيق القانون ما لم تختزل العقبات في تنفيذ حلول ناجعة و حقيقية و بكل مصداقية بعيدا عن لغة التسويف و منها: 
  • وضع الرجل المناسب في المكان المناسب بحسب الشهادة و الكفاءة و الأخلاق. 
  • تفعيل قانون العقوبات و قانون الإجراءات الإدارية و قانون العمل و قانون النظام الداخلي في إدارة أي مستشفى أو أي مسمى مستقبلي للتنظيم الجديد. 
  • إلزام النقابات العمالية باحترام القانون و عدم التدخل في الشؤون الغير مصرح بها قانونا و القيام بالمهام فعليا ، لأن ما نراه في حوصلة النقابات العمالية أحيانا لا تقدم العمل الجاد المنوه لها في حماية حقوق العمال و الدفاع عن مظالمهم و أحيانا لا تنتخب هذه النقابات بطريقة نزيهة..لان الرداءة تلزم أن لا يتغير متغير و لا يتقدم متقدم إلا ما قدم المصالح الشخصية على العامة و هذا أكبر خطا و أكبر استغلال تعيشه بعض النقابات في توجهاتها. 
  • كشف المستور من خبايا المظالم التي طالت موظفين و طردوا و همشوا و نزعت منهم مناصبهم لا لشيء سوى لأنهم قابلوا الخطأ و الظلم بالحق و المصداقية و من الواجب أن تقابل الشجاعة بالقانون و الأخلاق و ليس بالهروب و العمل تحت الطاولات لأن هذا لا يمت بصلة لا للأخلاق و لا للمروءة. 
  • احترام كرامة النساء الموظفات و ايلائهن المهام التي تحفظ لهن جهدهن و مساعيهن برزنامة عمل تعطي للمرأة المكانة التي تتوافق و أنوثتها و كذا ضرورة احترام كيانها ، فالإسلام كرمها و الدستور الجزائري شرفها و لم يبق إلا أن تحفظ كرامتها و إن قصرت ، فالتقصير يلجمه القانون و مجلس التأديب في الإدارات، احتراما في ذلك السلم الإداري في تطبيق العقوبات على تدرج مضامينها و درجتها.. 
  • القيام بعملية جرد سنوي لحركة الموظفين و معرفة سبب تقديم استقالاتهم من بعض المسؤوليات أو بعض المناصب، فالدراسة الجادة توفر لنا معرفة أسباب العزوف عن المشاركة الفعالية الإدارية و التقنية، و إيجاد الحلول لبعض المشاكل من شأنه أن يسهل لنا عملية احتواء السلوكات السلبية التي لا تمت بصلة لأخلاقيات المهنة . 
  • محاولة سد الفراغات في سن بعض القوانين، مثلا قانون أخلاقيات الشبه الطبي فهو غير موجود على عكس نظيره قانون أخلاقيات مهنة الطب ، فالمساواة في سن القوانين تختزل الفارق في التعامل بانحياز. 
  • كل من لم تسمح له صحته بمزاولة نشاط ما قد يزيد الوضع تأزما ينبغي تحويله إلى حيث لا يؤثر العمل على مردود الصحة ، فاحترام كرامة العامل أو الموظف هو احترام للإنسانية أولا و قبل كل شيء. 
  • أهم شيء يجب أن يفهمه كل الجزائريين و ليس موظفي قطاع الصحة فقط هو أن المسؤولية تكليف و ليس تشريف، و على من يتقلد المهام أن يحرص كل الحرص على عدم الظلم و تطبيق العدل و المساواة في الحقوق و عدم السكوت على المظالم مهما تنوعت..هذا إذا كنا فعلا نريد النهوض بقطاع يهمنا جميعا دون استثناء ..فصحته من صحة نياتنا و أفكارنا و عزيمة إرادتنا..و رقيه من رقينا نحن كجزائريين نريد الأفضل لبلدنا دائما. 
فبقدر ما يكون هناك تفاعل بين سن القوانين و بقدر ما يكون هناك احترام للإنسانية من جهة و التطبيق الصارم للقوانين بقدر ما تحقق سياسة الدولة المنتهجة بعدا و آفاقا ايجابية ترفع شأن الصحة الجزائرية إلى المستوى المطلوب من التحسين و الرقي، و كل من يحدث ضجيجا بأواني فارغة و هشة فالقانون له بالمرصاد.