محاربة لوبيات الفساد في قطاع الصحة
بقلم الدكتورة بيطام سميرة

عام 2019 يحمل معه الكثير من التطلعات المستقبلية في قطاع الصحة الذي هو رئة المجتمع الذي يتنفس بها ، ليس خيارنا في أننا لا نتكلم عن مشاكل هذا القطاع و البرامج الإصلاحية تتبنى سياسة مكافحة الفساد من أجل الحفاظ على ديمومة دولة ثقيلة بوزن الجزائر، مساع كثيرة ، أموال مجهزة و إرادة المكافحين و العاملين في صمت هي في استمرار للتطلع نحو آفاق جديدة يريدها المخلصون جديدة و لو كانت مثقلة بضريبة النجاح ، فلا شيء يتحقق بالسهل و لا شيء يأتينا على طبق من ذهب.

ربما فشل الاستراتيجيات السابقة في إصلاح قطاع الصحة منذ عشرين أو أكثر سنة مضت تعود لوجود مجموعات أشخاص هو موظفون بحكم القرار و بقرار القانون و بنزاهة القانون و هم يمثلون عدة مهام بطريقة غير مسوح بها في منطق التسيير الصحي ، حيث نجد ممرض رئيس مصلحة معين في مستشفى جامعي أو مؤسسة استشفائية و نجده في نفس الوقت هو رئيس الخدمات الاجتماعية و في جهة أخرى نجده رئيس أو ممثل لنقابة ، ترى هل يمكن لهذا الموظف أيا كان تخصص دراسته أن يلبي و يوفق بين جميع المهام ؟ ، هل القانون كان صحيحا لما سمح لهذا الموظف أن يتقلد عدة مهام في خطة واحدة ، و السؤال الموالي :

  •  هل أموال الخدمات الاجتماعية للمستشفيات منحت لأصحابها كاملة و بحسب قانون الخدمات الاجتماعية ؟ ، هل الانتخاب الذي يتكرر وفق رزنامة الزمن هي انتخابات شريفة ؟ ، ما الذي يجعل بعض الموظفين يتذمر من حرمانه من قرعة العمرة في مقر عمله ،في حين تمنح في مستشفى آخر ، لما كل هذه اللاعدالة في تطبيق قانون الخدمات الاجتماعية ؟.
  • هل يتمتع من منحت لهم أمانات العمال بالمستوى المهني الجيد من الأمانة و النزاهة ؟ ، إن كان كذلك لماذا يهمش من ينادي بحقه ؟ ولماذا تخلق له العراقيل ؟ إن كان كل شيء يسير وفق القانون ووفق ما يسمح و يرخص له القانون ؟.أليس القانون هو ردائنا ضد موجات الضرر؟
 في مجال التكوين لماذا يتم انتقاء بعض العناصر و يهمش الآخرون بدعوى نقص الأماكن أو تحت أي عذر آخر ؟ ، و لماذا في اللجنة المرافقة للحجاج يتم اختيار نفس العناصر كل عام ؟،أين حقوق الآخرين من الذهاب في رفقة الحجاج ، من يعملون أطباء أو ممرضين أو قابلات ؟ ، كيف للصحة الجزائرية أن ترتقي و هناك من يتعب و يكد و يعمل جاهدا من اجل ذلك و لكن لا يأخذ حقه بل يأخذه غيره ؟ ، هل تم تعديل ميزان الجهود باختزال هذا النوع من المشاكل ؟ ، قد يكون الأمر واضحا لدى موظفي قطاع الصحة و حتى قطاعات أخرى و لكن مكافحة الفساد تأخذ منحاها نحو الأفضل ، و الأفضل لن يكون إلا عبر حصر المشاكل و تعدادها و معرفة مسببيها و من ثم تطبيق الحلول فورا و ليس انتضار شيء آخر.

تنص المادة الثالثة من قانون رقم 06-01 يتعلق بالوقاية من الفساد و مكافحته على ما يلي :
تراعي في توظيف مستخدمي القطاع العام و في تسيير حياتهم المعنية القواعد التالية :
  • مبادىء النجاعة و الشفافية و المعايير الموضوعية ،مثل الجدارة و الإنصاف و الكفاءة .
  • الإجراءات المناسبة لاختيار و تكوين الأفراد المرشحين لتولي المناصب العمومية التي تكون أكثر عرضة للفساد.
  • أجر ملائم بالإضافة إلى تعويضات كافية .
  • إعداد برامج تعليمية و تكوينية ملائمة لتمكين الموظفين العموميين من الآداء الصحيح و النزيه و السليم لوظائفهم و إفادتهم من تكوين متخصص يزيد من وعيهم بمخاطر الفساد .
أما المادة الثامنة من نفس القانون فقد نصت على ما يلي :
يلتزم الموظف العمومي بأن يخبر السلطة الرئاسية التي يخضع لها إذا تعارضت مصالحه الخاصة مع المصلحة العامة ، أو يكون من شأن ذلك التأثير على ممارسته لمهامه بشكل عاد.
أما المادة العاشرة فقد نصت على ما يلي :
تتخذ التدابير اللازمة لتعزيز الشفافية و المسؤولية و العقلانية في تسيير الأموال العمومية طبقا للتشريع و التنظيم المعمول بهما ،و لاسيما على مستوى القواعد المتعلقة بإعداد ميزانية الدولة و تنفيذها .

هذه عينة من مواد قانون مكافحة الفساد الجزائري ، و له من الحماية ما يلزم مسيري المال العام في المستشفيات أن يتوخوا الحذر في تبديدها أو صرفها في غير وجه حق ، و أن تحترم بنود هذه المواد و غيرها بما يكفل حماية المال العام ، و من الصرامة أن يتابع القانون الجزائري بنصوص مواده المخالفين له بل المرتكبين لاختلاسات و صفقات لا تمت بصلة لرزنامة الميزانية المخصصة للنفقات.

و حتى ايلاء مهام المسؤولية لموظف يشرف على مهام أخرى من شأنه إرباك السيرورة و الديمومة للعمل الجيد و الحرص على توزيع الحقوق للعمال ، فكل متخصص يعمل في تخصصه و من الاقتراحات التي جاء بها بعض الخبراء في تسيير المستشفيات على المستوى الدولي أنهم ربطوا فكرة المحاسبة و الجرد و التقييم السنوي للآداءات و بقايا الاداءات بما يختزل للعام المقبل ، و لكن هناك من يعطل هذا التداول في المحاسبة أي هناك من يحرس على مختلس مثله لتتسع هوة الفساد ، فيتغلغل إلى العمق ، و تصبح الثقة مفقودة ، ولكن لكل آفة علاج و لكل مشكلة حل ، و هذه بعض المقترحات.
آليات محاربة فساد الإدارات الصحية :
من بين هذه الآليات التي تخضع للتجريب أولا و للتقييم و من ثم التعديل بما يتوافق و متطلبات الواقع العملي و منها :
  1. تطبيق المواد من 25 إلى 30 من قانون مكافحة الفساد.
  2. ايلاء مهام تسيير الخدمات الاجتماعية في المستشفيات الجزائرية إلى موظفين لهم من الشهادات ما هي في تخصص الاقتصاد أو المالية بعيدا عن تخصص من يحمل شهادات في التمريض أو في الطب حتى يتم الاحتفاظ بالموارد البشرية في المصالح المخصصة لها و حتى لا تشتكي نقص في التخصصات في حين هي موجودة في غير أماكنها الصحيحة.
  3. عرض تقارير سنوية على لجنة بوزارة الصحة تتابع دوريا مهام تسيير أموال الخدمات الاجتماعية على مستوى كل مستشفى و إجراء دورات تفتيش و مراقبة حركة الأموال خلال السنة و أي عمل يخالف القانون يتم إعلام السلطة الأعلى على مديرية إدارة المستشفى أو الوزارة و الأرجح الوزارة الوصية .
  4. متابعة التقارير التي ترسل من المتضررين من العمال و أخذها بعين الاعتبار و إجراء فحص دقيق لمضمونها و مراجعة التجاوزات و إدراجها في خانة المخالفات و تكليف مكتب النزاعات الذي يعمل بصفة حيادية على رفع تقريره لدى الجهة الوصية ، هكذا يتم تعقب الثغرات المالية و مآلها من الاختلاس و محاسبة مختلسيها و يكونوا عبرة لمن يريد اختلاس المال العام .
  5. إعادة انتخاب لجنة الخدمات الاجتماعية بطريقة شفافة تسمح للتداول على التسيير بدل الاكتفاء بنفس العناصر التي حفظت عن ظهر قلب مدركات الأمور و مآلها و كيفية إدارتها بالشكل الخاطئ الذي يضر بمصالح الموظفين و العمال على السواء.
  6. تطبيق القانون اثر أي تبليغ عن أي تجاوزات و عدم السماح بتهميش أو معاقبة من يصرح بوجود هذه المخالفات فهم أعين الجهة الوصية في عقر المستشفيات.
  7. عدم الاكتفاء بإنهاء المهام على اثر أي تجاوز بل محاسبة المستغلين لمال المؤسسة و إيداعهم على سلطات التحقيق ليأخذ القانون مجراه الطبيعي و العادي من المتابعة و إلا فما فائدة سن قوانين رادعة مثل قانون مكافحة الفساد إن لم يجد بوتقة يدور فيها بشكل روتيني يسمح بردع المتورطين في جرائم السرقة مهما كان نوعها و حجمها .
  8. مراقبة اقتناء الأجهزة الطبية و علامات بيعها و سنوات الضمان ووضع شروط في استعمالها و محاسبة كل من تسول لبه نسفها تخريبها لألا يؤدي عمله تطبيقا لسياسة التواكل و التخاذل عن آداء المهام .
  9. مراجعة عملية الجرد كل 6 أشهر في المكاتب و المصالح الاستشفائية لمتابعة حركة العتاد و الأجهزة و إيداع تقارير عن اختفاء الأجهزة في حالة عدم ثبوت تنقلها إلى مكتب أو مصلحة أخرى .
  10. تحفيز رؤساء المصالح و المكاتب على اثر تقييم آداءاتهم سواء بالترقية أو نقلهم إلى أعلى مستوى من الوظيفة ليستشعر الآخرون أهمية التفاني و الجد في العمل ، فيكون هذا عامل محفز لهم.
هذا و تبقى إرادة الساهرين و صرامتهم في تطبيق القانون هو الآلية الأوفر و الناجح لتحقيق الحفاظ الشامل على أجهزة و هياكل المؤسسات الصحية .فحين يتحقق الحفاظ على ذلك سيكون حفظ صحة المواطن أيسر بكثير لأن الأرضية صحيحة و خالية من عيوب الاختلاسات التي من شأنها أن تحدث خللا في الآداء الجيد للخدمات المقدمة للمرضى.