الإنجاب بالتلقيح الاصطناعي و موقف القانون الجزائري 

إن أساس أي علاقة زوجية هي بناء أسرة و إنجاب أولاد يملئون البيت فرحا وسرورا ، هي نعمة كبيرة أن يحظى الزوجين بعد زواجهما بأولاد كثمرة لهذه العلاقة المقدسة التي كفلها الشرع بضوابط من الاحترام و تبادل الحقوق و الواجبات فيما بينهما. 
فالزواج هو علاقة حب و مودة تربط بين الزوجين على سنة الله ورسوله ، حيث نص الشرع الحنيف أن تكون هذه العلاقة صحيحة لأنها أساس تربية الأجيال القادمة و تنشئها التنشئة السليمة وفق ما قدمته تلك العلاقة من الفئة و تراحم و تواصل من أول يوم ارتبط فيه الطرفين. 

فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه فليتق الله في الشطر الباقي" ، وعليه فان الإنجاب و تكثير النسل و الذرية مكسب عظيم لما فيه من استمرار النسل و الاستخلاص في الأرض .  
أما من حرم نعمة الإنجاب لعقم أحد الزوجين فقد أقر الطب طريقة التلقيح الاصطناعي و هو ما أقره القانون و منه المشرع الجزائري الذي أجاز في المادة 45 مكرر من قانون الأسرة عملية التلقيح إذا تعذر الحمل بسبب من الأسباب حيث نصت المادة على أنه" يجوز للزوجين اللجوء إلى التلقيح الاصطناعي ، يخضع التلقيح الاصطناعي للشروط الآتية: 
  •  أن يكون الزواج شرعيا. 
  •  أن يكون التلقيح برضا الزوجين و أثناء حياتهما. 
  •  أن يتم بمني الزوج و بويضة رحم الزوجة دون غيرهما. 
و لا يجوز اللجوء إلى التلقيح الاصطناعي باستعمال الأم البديلة . 
و المعروف أن مسائل النسب و التي في مضمونها تشير إلى أن الولد للفراش و للعاهر الحجر و لذلك لا يجوز إجراء عملية التلقيح الاصطناعي لزوجة لقّحت بماء رجل غير زوجها. فمن اللازم دائما في هذه الحالة أن تلقّح الزوجة بذات مني زوجها دون شك في استبداله أو اختلاطه بمني غيره و يطرح التساؤل فيما إذا كان رحم الزوجة غير قادر على الحمل فهل يجوز إستبدال رحم إمرأة أخرى لهذا الغرض؟. 

لقد وضح المشرع جليا في نص المادة 45 مكرر السابق الذكر أنه لا يجوز استبدال الأم الحقيقية بأخرى لتمام الحمل و هنا المشرع اتبع الفقه الإسلامي ، فقد منع شيخ الأزهر فضيلة الإمام جاد الحق رحمه الله جازما أن ينموا الجنين في رحم إمرأة أجنبية و هذا المنع أساسه منع الوقوع في الحرمة و منع ما يترتب عليه من آثار تضر بالمجتمع و في هذا الإطار تقول الجمعية المصرية للأخلاقيات الطبيّة أنّ تأجير الأرحام دعوة إلى الفاحشة. 

و بالتالي فان هذا الفعل هو من الممارسات الغير مشروعة شرعا و قانونا إذ أن نص المادة السابقة من قانون الأسرة الجزائري كان واضحا ذلك أنه إذا إستحال على المرأة أن تحمل من زوجها بالوسيلة الطبيعية و لأنّ الضرورات تبيح المحظورات، فقد أباح الإسلام للزوجين في حالة العقم و ضعف الخصوبة اللجوء إلى هذه العملية. 
فقط ما يلاحظ على قانون الأسرة أنها المادة الوحيدة التي تكلمت عن التلقيح الاصطناعي حيث يفترض و في ظل تقدم الثورة البيولوجية و انتشار استعمال التقنية الحديثة تطور القانون و مواكبته لهذه التغيرات العلمية ليضيف رصيدا أكثر تفصيلا و شرحا لعملية التلقيح الاصطناعي ،إذ قد تتخذ ذرائع لمحاولة تمرير فكرة ما لتصبح عادة و العادة التي لا يوافق عليها الشرع و القانون ، لأنها بمثابة خرق له و لما نص عليه ديننا الحنيف و حتى نصوص القانون و بالأخص قانون الأسرة . 

هذا و قد أجمع الفقهاء على أن العقم أيا كان سببه لا يعدو أن يكون مرضا من الأمراض التي تنضوي تحت قوله صلى الله عليه وسلم " تداووا فان الله عز وجل لم يخلق داء إلا و أنزل له الدواء "و بالتالي فان علاجه هو فرع من فروع التداوي ، و بالتالي يمكن علاج العقم بالطرق الطبية المتاحة ، فديننا هو مصدر للعلم و المعرفة بتفسير آيات القرآن المتضمنة طرقا و مناهجا للشفاء ،و شكل العقم يحتاج في مساره إلى بحوث مستمرة و تجارب متواترة لإيجاد العلاج المناسب و الأكثر نجاعة ، حيث قديما كان يعالج بالتداوي بالأعشاب و العقاقير و حاليا و مع تقدم الأبحاث أصبح يعالج بالتلقيح الاصطناعي و لو أنه سلاح ذو حدين ، من جهة أعطى فرصة للإنجاب بعد أن كانت العملية متعذرة و من جهة فتح المجال أمام محاولات أخرى للعلم ليشجع على الانحراف و تشجيع ما هو محرم كالمساس بحرمة الإنسان أو تغيير جنسه أو حتى القيام بعملية الاستنساخ ، و هذا ما يجعل المسلم محتار بين ما يقدمه له العلم من تجارب حديثة تحتوي ضمانات على ما تم تجريبه ليلجأ للسؤال عن الفتوى التي تقدم له حفاظا على حرمة دينه و عرضه.

و نظرا للتقارب بين القانون الجزائري و القانون الفرنسي و نظرا لاعتماد الأول على الثاني في سن المواد إلا أن ما أكدت فيه محكمة النقض الفرنسية في نص المادة 7/16 من القانون  المدني الفرنسي يعطي الموضوع أكثر تفصيلا على أن "كل اتفاق يتعلق بالحمل و الإنجاب لفائدة الغير يعد باطلا". 
و بالإسقاط على النص فان المادة 41 من قانون الأسرة الجزائري نصت على "ينسب الولد لأبيه متى كان الزواج شرعيا و أمكن الاتصال و لم ينفه بالطرق المشروعة" ، فبالزواج أصبحت الزوجة فرشا لزوجها دون غيره من الرجال و يحرم عليها تمكين غيره منها و بالتالي يفترض كل حمل تحمله هو من زوجها ،و باستقراء قانون الأسرة الجزائري لا نجد نصا صريحا في مجال نفي النسب ، أما في مسألة الاتفاق على إنجاب الأولاد فهي مسألة ثنائية تتم باتفاق الزوجين و بما أن المشرع الجزائري اشترط قيام الزوجية أثناء التلقيح و نص على الوفاة كإثبات لانتهاء العلاقة الزوجية فلا داعي لاشتراط إعادة النص و بالتالي فالأمر بين وواضح و لا تصح عملية التلقيح إلا بما تم اتفاقا بين الزوجين الذين جمعتهما علاقة شرعية و كل ما يخالف النص الشرعي و القانون فلا أساس له من الصحة.. 

يبقى العلم يبحث في أغواره عن الجديد دائما ليجد حلولا يطمئن لها بنو البشر و لكن ليس أن يمتد طرف الفضول إلى ما حرمه الله من مخالفات شرعية.. و بالتالي فالحلال بين و الحرام بين.. 

لكل القراء و متابعي صفحة فضاء التسيير الاستشفائي من لديه تساؤل أو استفسار للدكتورة سميرة بيطام أن يراسلها على البريد الالكتروني التالي
Secteur_sam@yahoo.fr
و ستجيب على أسئلة القراء و المهتمين بالشأن الصحي