القابلة الجزائرية في واجهة عصرنة قطاع الصحة

تحتفل الكثير من دول العالم باليوم العالمي للقابلة و الذي يصادف الخامس من شهر ماي من كل عام ، و إني أفكر من منطلق الاحتفالية هذه إن ما كانت إقرارا دوليا بدور عظيم لسيدة أو لآنسة تسعى لأن تولد المرأة الحامل بكل أريحية و في أحسن الظروف.

و عليه تفحصت فحوى مصطلح القابلة أو بالفرنسية Sage femme بمعنى المرأة العاقلة كما يطلق عليها في كيبيبك ،أما في الولايات المتحدة الأمريكية فتؤكد –الجمعية الوطنية للنساء الحوامل- أنه حتى عام 1847 كانت الولادات حكرا على القابلات القانونيات . و بين عامي 1910 و 1920 و هي الفترة التي كانت فيها المرأة الأمريكية محرومة من حق الانتخاب حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية تشهد حملة تشهير واسعة بالقابلات بحجة عدم أهليتهن المهنية و العلمية و يبدو أن تلك الحملات لاقت استجابة كبيرة من المجتمع و استمرت كذلك حتى مطلع الستينات. 

صدقا تعاطي مجتمعات نحسبها متقدمة مع هكذا شريحة مجتمعية يجعلني أتساءل فيما بين نفسي إن ما كانت المهن النسوية ينظر إليها في بداياتها على أنها أي المرأة قد لا تتحمل أعباءا نفسية و معنوية ، و يبقى هذا مقترح يشوبه نوع من التقصير في حق شريحة تقف لساعات طويلة في قاعات التوليد و كذا الجراحة فيما يخص العملية القيصرية حرصا منها على إنقاذ حياة المرأة وجنينها، و من بغير الأنثى أكثر صبرا على ذلك ؟.

أما في كندا فتشير سيلين لومي رئيسة تجمع القابلات القانونيات إلى أن مقاطعة كيبيك اعترفت رسميا بهن عام 1999 ، علما أن هذه المهنة كانت تمارس فيها منذ زمن طويل في شكل غير شرعي ،و في هذا العام أنشأت جامعة كيبيك في تروا ريفير خصوصا لتخرج القابلات القانونيات و مدة الدراسة فيها أربع سنوات تنتهي بشهادة الإجازة )الليسانس( و تخرج منها مئات القابلات ، و خلافا للولايات المتحدة الأمريكية فان الولادات في كندا سواء حصلت في المستشفيات أو في دور التوليد هي مجانية لكل مواطنة تحمل بطاقة الضمان الصحي علاوة على منح المولود الجديد مساعدة سنوية تستمر حتى بلوغه السن القانونية.

هي وصلات و جولات تاريخية لنعرف بدء ظهور هذه المهنة النبيلة و كيف كان ذاك الظهور في الدول العربية و البدء حينما ظلت ولادة النساء في العديد من الدول العربية حتى سنوات قليلة مضت تتم داخل البيوت بسبب العادات و التقاليد من جهة و لأن الطلب لم يكن من جهة أخرى متقدما بالدرجة التي نعرفها في وقتهن الحالي لاسيما في الأرياف و المناطق التي لم تصلها الخدمات الطبية ، و من جهة أخرى كانت تعتبر مهنة القابلة مهنة متوارثة في العائلة أي أن البنت ترثها عن أمها أو خالتها و هي ترى في ذلك ضرورة القيام بواجب إنساني شجاع يثبت جدارة المرأة في مرافقة المرأة لمواجهة آلام المخاض.

و من جهة أخرى يبدو أن الكثير من الأخصائيين لا يؤيدون فكرة التوليد المنزلي لما له من عواقب و مخاطر على صحة المرأة و كذا الجنين ، ما جعل التفكير في ضرورة تقنين هذه المهنة بقانون يحفظ لها مصداقيتها و يضمن آداءات جيدة من الخدمات العلاجية .
و قد بحثت بالقراءة علني أجد الامتداد التاريخي لظهور مهنة القابلة في الجزائر فلم أجد ما يشبع تطلعي و عرجت على دولة تونس فنفس الشيء، أما دولة المغرب فوجدت مذكرة تقديمية لمشروع القانون حيث يرجع تنظيم مهنة القابلة إلى أحكام الظهير الشريف رقم 367-59-1 الصادر بتاريخ 28 شعبان 1379 أي 26 فبراير 1960.
اعتمادات تاريخية للمهنة من تنوع دولي بات اليوم أكثر من أي وقت مضى يؤمن بضرورة ترقية قطاع الحصة ليتوافق مع الخدمات الجيدة للعلاج المقدمة للمريض ما يعني أن القابلة اليوم أضحت أمام رهان حقيقي في خضم ما يشهده العالم من تحولات عميقة ليس فقط في قطاع الصحة بل في مختلف الميادين .

ثم إذا كان المرسوم التنفيذي رقم 11-122 مؤرخ في 15 ربيع الثاني عام 1432 الموافق لـ20 مارس سنة 2011 المتضمن القانون الأساسي الخاص بالموظفات المنتميات لسلك القابلات في الصحة العمومية ،خاصة ما نصت عليه المادة الخامسة منه من أنه )تستفيد القابلات في الصحة العمومية من كل الظروف الضرورية لتأدية مهامهن و كذا من شروط حفظ الصحة و السلامة المرتبطة بطبيعة نشاطهن ( ما يعني أن هذه المهنة تحتاج لأرضية متوافقة مع طبيعة النشاط ، و هذا التوافق هو ما ستحققه عصرنة القطاع الذي جاء به قانون الصحة الجديد الذي اعتمد مؤخرا من قبل النواب ، ما يستوجب تفاعل الجميع للالتفاف حول إقرار مستقبل واعد للأجيال و لن يكون ذلك حكرا على فئة معينة بل بتضافر الجهود من مختلف فئات مستخدمي الصحة.

فإذا كانت القابلة تشكو اليوم من إجحاف لحقوقها و ترى نفسها تواجه متاعب و مشاكل و عراقيل و إرهاق معنوي و نفسي ما يوصلها للعدالة في بعض القضايا الجنائية فتجد نفسها في خانة الاتهام ، و التي تصنف آدائها أحيانا بالمقتضب أو بالمقصر في تحمل ما يريده المريض الذي يأتي إليها طلبا لتقديم خدمة مهما كان نوعها ، فعلى القانون أن يكون منصفا و علينا كمهنيين في الميدان أن نتفاعل مع الموضوع بكل شفافية و بكل منطق و ما يمليه الضمير و الأخلاق و هذا ما يطرح التفكير في مشروع تحضير مدونة أخلاقية تفي بالغرض و تعطي الغطاء الأوفر من الحماية للقابلة ككيان بشري له الحق في أن يكون محميا أمام نتائج ليست هي المسؤولة عن تحقيقها لأنها مكلفة ببذل عناية ما يستوجب التدقيق في النظر إلى المسؤولية إلا ما كان بسبب الإهمال و اللامبالاة و التي توجب ردعا قانونيا للحد من ظاهرة التسويف .

و هذا ما سيحمله مشروع عصرنة القطاع من تجديد للتقليل من التخاذل و التقصير في حق المريض و في إيفاء الإنصاف أيضا للقابلة بالدرجة الأولى لأنها هي من ستقف في واجهة تحقيق مستوى راق من الآداء الجيد و هذا يتطلب إعادة النظر في النقائص المحيطة بها و محاولة سدها و كذا إتباع ما يسمى ببروتوكولات الأداء للعلاجات و أيضا تدوين كل أداء في ملف سيرقى لأن يكون بالتسجيل في الكمبيوتر ما سيحقق قفزة نوعية مع الوقت ، لأن هذه الاستراتيجة تحتاج بالدرجة الأولى إلى تكاليف مادية و بشرية و توفر إرادة تؤمن بأن عصرنة القطاع هي مسؤولية الجميع و حتى المريض عليه واجب في ذلك في أن يحترم القوانين و الأمن الداخلي للمؤسسة و كذا و ممارسي الصحة و يوليهم التعامل الجيد بما يتوافق مع مبدأ الآخلاق و الذي يعد الضمانة الأساسية لتحقيق توازن سوسيو-مهني مؤسساتي و بشري من خلال إستراتيجية تسعى للنهوض بالقطاع نحو الرقي و يسعى لأن يحفظ للقابلة الجزائرية كرامتها بالدرجة الأولى و كذا حقوقها و لها من الواجبات ما يلزمها ان تكون ممثلا جيدا في واجهة عصرنة مهنة التوليد ،و هذا ما أصبح ضرورة حتمية بل رهان تسعى إليه الوزارة الوصية لترقية القطاع في مختلف التخصصات و الاهتمامات لسد الخلل و استدراك النقائص.و ليس هذا ببعيد المنال و إطارات شبابية تتخرج بعد كل نهاية تكوين من مدرسة المناجمنت نرى فيها شعلة يافعة يعول عليها في التسيير الاستشفائي.

و قبل الختام أتقدم بتحية خاصة فيها الكثير من التقدير و الاحترام لكل قابلة جزائرية تحمل عبء الأمانة المهنية بصبر و تفان..بوركت و بوركت مساعيك.

لكل القراء و متابعي صفحة فضاء التسيير الاستشفائي من لديه تساؤل أو استفسار للدكتورة سميرة بيطام أن يراسلها على البريد الالكتروني التالي
Secteur_sam@yahoo.fr
و ستجيب على أسئلة القراء و المهتمين بالشأن الصحي