المنظومة الصحية في الجزائر و مسار الاعتدال



الفيلسوف سقراط هو الذي استطاع أن يترك ظله العميق و العنيف على كل الحضارة الغربية فقد كان سقراط رجلا دميما بالمعنى الحقيقي للكلمة رغم أنه فيلسوف زمانه ،و لم يكن رجلا بالمعنى الحقيقي و قد استولى الشذوذ الجنسي على الحضارة الاغريقية كلها مئات السنين ،و لم يكن يستنكره أحد و استطاع سقراط بذكاء و خبث أن يفرض احتقار الجسد الانساني سوءا جسد الرجل أو جسد المرأة على حد قول أنور الجندي في كتابه قضايا العصر و مشكلات الفكر، و لأن سقراط كان يرى أن المرأة هي حس فقط فقد استبعدها من دنيا الحياة العقلية و رأى ان المرأة و الجسد و الحس شرور يجب أن يتخلص منها الانسان ، ووراء سقراط و تحت تأثيره الهائل سادت الفلسفة و الآداب و المسيحية الغربية أيضا الى يومنا هذا.

ان أخطر ما توجهه النظريات الفلسفية الى العصر : النظرة المادية و الغاء ما غير محسوس و مهاجمة الغيب و لو أن الأفكار الفلسفية هي التي تصنع خارطة الطريق لأي مجتمع لأن الأفكار تبني و ترتقي بأشخاص بحسب قناعاتهم و ميولاتهم و بقدر ادراكهم لأهمية الشيء المعروض للبحث أو للتغيير أو للاقتصاص من بين نصوص القانون أو من بين أياي الشرطة التي تسعى لحفظ الأمن العام في أي بلد يؤمن بحفظ ممتلكات البلد.

شأن الجزائر اليوم يدفعنا لأن نكتب و على منهجية مغايرة تماما لما يكتبه الأدباء و المفكرون و الساعون نحو انصاف الحقوق ...ترى هل ستبنى فكرة الحق على دفع فلسفي لصناعة خارطة طريق توفر الجهد و تختزل المسافات و تنجب الأفكار بل أبناء الأفكار لترتقي بها عقليات و ذهنيات نحو ما يسمى التغيير..؟.
يحاول بعض الأطباء المقيمون الساعون للمطالبة بحق أو بجملة من الحقوق الى المزج بين هوية تاريخية و مطلب حقوقي وواجب وطني ألا و هو مصلحة المريض.

و على الجانب الاخر من الصمود تلتزم الدولة الجزائرية بتقديم مساعي و جهود بيقظة و ارادة فولاذية للحفاظ على ممتلكات وطن اسمه الجزائر و هذا مكسب دستوري لا نقاش فيه و لا يقبل النقد أو التعقيب عنه لأن أساس نهضة و تحضر أي أمة هو البدء بتحقيق الاستقرار و الأمن فيها و هو شعار للنجاح و للتفوق بل للانتصار على كل محاولات للتضليل أو لانتهاك شبر من عزة الجزائر، ثم لكل مواطن حق ممارسة المواطنة بترخيص دستوري وفق ما نصت عليه المادة 29 و 31 من الدستور الجزائري.   

و لو فكرنا بسلاح علمي لما يحدث اليوم من اضطرابات و مطالبات بالحقوق للزمنا صمتا مطولا و لكن بتفكير عميق و دقيق جدا و قد يحدوه نوع من الحزن بل الضيق لوتيرة مشاكل لا تنتهي لكنها ستنتهي لأن عزيمة أبناء الجزائر أكبر بكثير من ويلات أفكار مثلا قد سبق و تطرقنا اليها أنها لا تخدم هوية مجتمع تعود على لزومية الدفاع على المقومات بكل هدوء..   

و لعله من علامات اليقظة لدى أي جيل شبابي هو اليقظة و الالتفات نحو الهدف، ما المقصود من وتيرة مطالبة بالحقوق؟ ثم ما صيغة ميزان الصحة في الجزائر لتصل الى اعتدال تفوقي و مستقر؟ ما المطلوب من كل المساعي في أن تلتف نحو منظومة صحية يراد لها الأحسن و الأجود بل الأروع ولما لا نضيف مجال الابداع في التسيير الصحي هل من معرقل لذلك؟ لا ليس هناك ما يمنع من الباس التسيير الصحي حلة ابداعية تجعل العقل الجزائري يرتقي بل يتقلد منصب ريادة..لا يوجد مانع ، لماذا لا يوجد مانع ؟
ما دام فيه ارادة للمطالبة بالحقوق و ما دام فيه رغبة في اجتثاث جذور الرداءة و مهما كانت المطالب مشروعة فلندقق في قوة شباب متعلم ، ليس هناك ما يمنعه أن يبني حضارة وطن و يصبغه بحلة ابداع ، و قد لا يكتفي بذلك بل سيظل يبحث له عن الأفضل و الأفضل و الأروع..

هي في مجملها أفكار ليست بالفلسفية و لكنها واقعية و حتى و ان كان الواقع لا يحمل بين طياته اشارات معالم ، هذا الشباب حينما يلتف حول وطنه و يبكي لأجل تألمه من آلام الماضي سيكفيه أن يعي جيدا درس البناء و النهضة ، و طاقة الشباب هذه هي مكمن قوة البناء و ليس يعوضه شيوخ أو مرضى أو قصر بل شباب يافع مثقف وواع و متعلم بل متحضر .   

على النحو المقابل من صياغة الأفكار وصف الباحثون الغربيون بعض الأفكار كالوجودية مثلا : بأنها الملل و القلق و العبث و السأم و الرفض و التوتر و الشعور بالاغتراب و الغثيان ،و أنها مرض الانسان في منتصف القرن العشرين و ذلك على حد قول سارتر : اليوم كغد و الغد كبعد الغد ، و أنه لا طعم لشيء ، و لا لذة و لا أمل في شيء ، كما يقول البير كامي فيلسوف الوجودية : أن التمرد هو الحل الوحيد لكل ما في الوجود من (لا معقولية) و يترتب على التمرد كحل للتجربة العبثية : رفض كل التصورات الميتافيزيقية ، خاصة لما يتصل بقضية الحرية ووجود الانسان.

انها أفكار و تبقى أفكار تنسب لأصحابها في عصر ما كان هؤلاء يبحثون لهم عن مجال لإثبات الذات أو لإثبات الغاية من الوجودية ، لكننا نخالف تماما هذه الأفكار كوننا مسلمين في عصر تحيط به العولمة بقرية صغيرة أضحى حصر المعلومة في أقل من ثانية مكسب من مكاسب تكنولوجيا عصر فاق حده من التطور و الاختراع ،لكن هل بالمقابل كان فيه تطوير للإنسان ككيان يحقق التغيير الايجابي بنفسه ؟ هل كان فيه ترسيخ للقيم التي تحافظ على كيان هذا الانسان و الذي أقصده الجزائري بالأخص هنا في هذا المقام ؟ ، هل واكب الاستثمار في الانسان بسرعة التقنية العالية في الكشف عن حقائق الجريمة و دلائل البحث و التحري ؟ هل حققت الصحة في ميولات محبيها قسط من المعقولية في ذهنية ممارسيها في أن يحافظوا على المكتسبات الموجودة حاليا و السعي لأن ترتقي العقول الى البحث و التجريب المكفول بقوانين أخلاقية تمنع التجاوزات و الأخطاء كمثال لدرجة وعي نخبة تمثل قطاع صحي حساس جدا ؟.

هل أحطنا أنفسنا بحماية قانونية و أخلاقية من ميوعة تقنية أثبتت جدارتها عبر شبكات التواصل الاجتماعي حتى اضحى الخبر يقرأ بألف قراءة و النية تؤول بسبعين غرض و ارادة. هل فعلا نحن محميون من ويلات الفشل ؟ و لا يجب لنا أن نفشل مرارا لأن الوقت لا يسمح بذلك على الرغم من أن العيب ليس في الفشل بل مخافة عدم القدرة في النهوض مجددا و بعزيمة أقوى و أصح بعد وتيرة نكسات متتالية ؟ . الوتيرة هي من تضعف الهمة و ليس الفشل كعنوان لبداية انطلاقة جديدة. 
هل نفقه فعلا حقيقة وجودنا في خضم دوامة من غياب استراتيجية صناعة القرار و بأي شكل من أشكال الاضراب ؟ هلى هذا المطلوب و هل هذا ما يوصل للهدف ؟ 

أعتقد أن فيه تجاوز للتقنية في بحر السرعة و التسريع في نقل المعلومة و التحول و الحدث على حساب تطوير ذهنية الانسان الذي يطمح لأن يأخذ حقوقه و هو لا يدرك في حقيقة الأمر أنه غير محمي من ويلات العولمة الملتفة حولنا في أدق تفاصيلنا ...مطلوب الاهتمام لما يريده هؤلاء الشباب و لماذا يتحمسون لذلك و ضرورة الاستماع لهم كنخبة يعول عليها الكثير و الكثير و عدم تهميش الأصوات المنادية بالبناء لكن بشرط توفر نية حقيقية لذلك و بعقود ممضاة بضمانة ضمائر جزائرية بامتياز ، مطلوب مراجعة القدرة لما هم مطالبون به تقديمه كعربون حب لأوطانهم في ظل تحولات دولية سريعة.هل هم مهيأون لمواجهة واقع يملي املاءات صعبة ؟ ..فالتدقيق مطلوب في عريضة جملة الافتراضات.

لا يكفي الاضراب لصناعة مسار للصحة هو متزن في قالبه ، لأن الجزائريون يؤمنون بفكرة الجزائر قبل كل شيء و فوق كل محاولة للتيئيس و من يقول أن الصحة هي مريضة هي مجرد ألفاظ تيئيسية لشعب لا يحب و لا يتقن لغة اليأس بل يعشق لغة الأمل و الضريبة كانت أسبق بمليون و نصف مليون شهيد . 
لن أناقش مطالب الأطباء المقيمين لأنها انطلقت من أفكار وواقع ، و كما سبق و أشرت أن الأفكار اما أن تصب في قالب البناء و التجديد و تكون مثقلة بزاد قوي من الايمان و العلم و العمل الدؤوب خاصة و اما أن تصب في قالب المضي ببطء و عدم مواكبة التطور الحاصل لدى غيرنا من الأمم ، لأن معيار النجاح في قطاع الصحة هو الميدان ، هو الاحصائيات هو النتائج هو جملة تقييمات هو مشروع استراتيجيات مدروسة الأبعاد على سنوات قادمة ، أهمها مرضاة المريض و راحته و رفع صرح البلد عاليا و فتح الأبواب للمنافسة الدولية ، لذلك فضلت الارتقاء و التسامي بفكرة الرقي الى صنع مسار متزن للصحة في الجزائر باحتواء عقبات التقنية العالية و ضبطها على منوال ذهنية جزائرية لها هويتها و مبادئها و مقوماتها.لا أقول تجاوزها بل احتوائها بذكاء و حنكة و فراسة بصيرة.
فبالأمس كان العنوان عن المنعرج الحاسم في قطاع الصحة بالجزائر و اليوم بميزان معتدل و الغد بحول الله بارتقاء للريادة. و كل أمانينا ستتحقق بإذن الله ما لزمنا ثلاثية العمل و العلم و الاستماتة و العنوان الرئيسي و الأهم دائما هو: الجزائر أولا و أخيرا.

أتمنى أني تجاوزت الخوض في كلام تكلم عنه غيري و هو اعادة الحديث عن أحداث اضراب الأطباء المقيمين لأن لي نظرة أفقية راقية أنسج فيها الريادة كمحور أساسي و ركائزي للنجاح لمنظومتنا الصحية و ليس هذا بمستحيل على الاطلاق مادام لنا شباب واع و يحب بلده و يسعى للأحسن و مادام لنا رجال في سلك الأمن حراس أباسل يسهرون على الهدوء و الاستقرار على حدود الخريطة الجزائرية و ما دام لنا بلد جميل له طبيعة خلابة مثل الجزائر فالانسجام واقع بين كل هذه الموجودات ، لذلك أفضل لغة الرقي دائما لأنها تفتح لنا مجال صناعة الحلم حقيقة و بأكثر رضى و سعادة .
الخير قادم فلنتفاءل و لنلزم الجد في مهامنا بأمانة و روح مسؤولية و على رؤوسنا تاج اسمه : الجزائر.

الدكتورة: سميرة بيطام